الجاحظ
404
الحيوان
منتفخ ، فصددت عنه ، فلم ألبث أن لحقتني الكلاب . فلمّا أحسّ بها وثب كالبرق ، بعد أن تحايد عن السّنن ، فسألت عن ذلك فإذا ذلك من فعله معروف ، وهو أن يستلقي وينفخ خواصره ويرفع قوائمه ، فلا يشكّ من رآه من الناس أنّه ميّت منذ دهر ، وقد تزكّر « 1 » بالانتفاخ بدنه ، فكنت أتعجّب من ذلك ، إذ مررت في الزّقاق الذي في أصل دار العبّاسيّة ومنفذه إلى مازن ، فإذا جرو كلب مهزول سيّئ الغذاء ، قد ضربه الصّبيان وعقروه ففرّ منهم ودخل الزّقاق ، فرمى بنفسه في أصل أسطوانة وتبعوه حتّى هجموا عليه ، فإذا هو قد تماوت فضربوه بأرجلهم فلم يتحرّك فانصرفوا عنه . فلمّا جاوزوا تأمّلت عينه فإذا هو يفتحها ويغمضها ، فلمّا بعدوا عنه وأمنهم عدا ، وأخذ في غير طريقهم فأذهب الذي كان في نفسي للثّعلب ، إذا كان الثّعلب ليس فيه إلّا الرّوغان والمكر ، وقد ساواه الكلب في أجود حيله . 466 - [ مفاضلة بين الثعلب والكلب ] ومع الكلب بعد ما ليس معه ، إلّا أن يفخر بفروته « 2 » في موضع انتفاع النّاس به ، فجعر الكلب للذّبحة أنفع منه ، إذ كان في الذّبحة الموت وليس يقوم مقامه شيء . وجلد الثّعلب منه عوض « 3 » . 467 - [ قول صاحب الديك في الكلاب ] قال صاحب الديك : شرار عباد اللّه من قتل أولاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ولم نجد شعراء النّاس شبّهوا أولئك القاتلين بشيء سوى الكلاب . قال أبو نضلة الأبّار ، في قتل سلم بن أحوز المازنيّ ، صاحب شرطة نصر بن سيّار اللّيثي ، يحيى بن زيد وأصحابه ، فقال : [ من الطويل ] ألم تر ليثا ما الذي ختمت به * لها الويل في سلطانها المتخاذل كلاب تعاوت لا هدى اللّه سبلها * فجاءت بصيد لا يحلّ لآكل بنفسي وأهلي فاطميّ تقنّصوا * زمان عمى من أمّة وتخاذل لقد كشفت للنّاس ليث عن استها * وغاب قبيل الحقّ دون القبائل قال صاحب الديك : وروى هشيم عن المغيرة عن إبراهيم قال : لم يكونوا ينهوننا عن شيء من اللعب ونحن غلمان إلّا الكلاب .
--> ( 1 ) تزكر بطن الصبي : عظم وحسنت حاله . « القاموس : زكر » . ( 2 ) الضمير هنا يعود إلى الثعلب . ( 3 ) أي يمكن الاستعاضة بجلد غيره .